السينما... حين يكون العلاج بالإبداع

الشيخة جواهر بنت عبدالله القاسمي

  • الأحد 17, مارس 2019 09:47 ص
  • السينما... حين يكون العلاج بالإبداع
على امتداد التاريخ الإنساني، لعب الفن دوراً كبيراً في توظيف المشاعر الإنسانية، لتحقيق تغيير إيجابي في الثقافة الاجتماعية، والسلوك الفردي، مما يشكل رافعة لتحولات كبيرة في المجتمعات، وحياة الأفراد على مستوى العالم.
فالجمال الذي يكتنف الفنّ مرتبط بالأمل، واليقظة، والشغف، ويتجسد الفعل المثالي للفنّ، بالأثر الذي يخلفه في نفس المتلقي، الذي يتحول بدوره إلى فاعل مؤثر في محيطه ومجتمعه.

لقد أيقظت السينما الحس الإنساني على مفاهيم غاية في الجمال والروعة، بل بات لها دور استثنائي، يشبه إلى حد بعيد دور المعالج النفسي، فالكثير من المبدعين في العالم ممن حولوا رؤاهم إلى أعمال سينمائية خالدة، لم يكونوا عاديين على الإطلاق، لأنهم أدركوا أهمية، وسحر السينما في التأثير على ثقافة المجتمعات، وغرس مفاهيم جديدة، تساعد الجمهور على التعامل بشكل أفضل مع التحديات الكبرى، أهمها الأمراض وفقدان الأمل في الحياة.

من هنا نرى الكثير من الأفلام، باتت وسيلة ليست فقط للتعبير عن القضايا، وحكايات الشعوب، بل أيضاً لمقاربة القضايا الشائكة، والتخفيف من معاناة الإنسان، ضمن قالب يلفت الانتباه، من خلال حبكته، وأدوار الشخصيات فيه، بل وحتى قدرة الموسيقى على الانتقال بالمشهد إلى أبعاد أخرى، ترسي رؤية جديدة عن معنى الحياة، وإرادة الأمل.

لقد اجتهد صنّاع الأفلام في توجيه الأنظار نحو قضايا اجتماعية غاية في الأهمية، كالفقر، والمجاعات، والأمراض.

فهناك أحداث خلّفت دويّاً مرعباً في نفوس المتلقين، بعضهم وضعها ضمن قالب من الكوميديا السوداء، التي تسخر من نفسها، وآخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك، وتعاملوا مع المسألة بتراجيدية باذخة، لكن قلّة منهم تعاملوا مع تلك القضايا بشجاعة أكبر، واستطاعوا أن يطردوا الرعب الذي تخلفه تداعيات تلك القضايا، ويحولوه إلى وعي، وشجاعة وإقبال على الحياة، بل جسّدوا هذه الشجاعة والإصرار بشخصيات تلعب دوراً كبيراً في جذب انتباه الأطفال، واليافعين لها قبل الكبار.

على مرّ التاريخ، استطاعت السينما أن تنتصر للحياة، وتدافع عنها، لتتحول إلى عامل تثقيف مهم، يسهم في صياغة أفكار وثقافة الأجيال الجديدة.

ويحضرني هنا فيلم "the monster call" للمخرج الإسباني خوان أنطونيو بايونا، والذي يتطرق إلى الحديث عن علاقة الفقد، التي يعيشها طفل بعد وفاة والدته، حالة استطاع بايونا برؤية فذّة أن يخرجها بعمله من الإطار التقليدي، والمتعارف عليه في الأفلام، التي تحثّ على مقاومة الفقد، والبحث عما يضاعف من الروح المعنوية، لتجاوز هذه الأزمة لدى الطفل منذ بداية العمل منطلقاً من فكرة أن، الفقد ليس بالضرورة ضعفاً، فنرى علاقة البطل الذي جسّد شخصيته الطفل "لويس ماكدوغال" بالشخصية الخيالية والمحورية للعمل "الوحش الخشبي" الذي جسّده الممثل "ليام نيسون"، فكان الأخير مصدر إلهام، وتشجيع وتحفيز لخيال، وشخصية الطفل، ومحرّك قوة في نفس الفتى، الذي استطاع أن يترك انطباعاً لا ينسى لدى المتلقين.

فيلم "The Bucket List" يستحق أيضاً التنويه، فقد حجز لنفسه مكانة في الذاكرة لقوة رسالته، حيث يروي قصة رجلين مصابين بمرض السرطان، وتلقي بهما صدفة غريبة في غرفة مشفى مشترك كلّ على سرير، وكلمة واحدة تشعل الحكاية بين الرجلين، الأول ثريّ وساخر، وناقم، يلعب دوره "جاك نيكلسون" والآخر بسيط يفلسف الحياة برؤية خاصة.

في سياق الفيلم، يتفق الرجلان بالتغلب على الموت، ولو معنوياً، ويتمسكان بالحياة حتى آخر قطرة، لينتهي المشهد على لحظات مفعمة بقوة الأمل، والإرادة للتغلب على وحشية المرض.

وإذا بحثنا في فئات أخرى من الأفلام، نلمس الدور الفاعل، الذي تلعبه السينما في تغيير السلوكيات، وقدرتها على الدفع باتجاه الحياة، ونبذ الإحباط والسلبية، ففي الفيلم " The Boy Who Harnessed the Wind" "، الفتى الذي سخّر الريح"، نتعرف إلى حكاية صبي من "مالاوي" يعيش مع أقرانه في قرية نائية، سرعان ما ينقلب حالهم، فيقرر الصبي البحث عن حلّ للخروج من واقع الفقر المرعب، الذي تعيشه أسرته وقريته.

وبعد أن يتم طرده من المدرسة لعدم سداد أقساطها، واجتياح القحط والجفاف أراضي القرية، ومع تسلل المجاعة ينزوي الصبي إلى مكتبة القرية، ويمضي في خوض مغامرته، التي وظّفها بعبقرية المخرج، والكاتب البريطاني ذو الأصول النيجيرية "تشويتيل أدجيفور"، الذي لعب أيضاً دوراً رئيسياً في الفيلم، ليقدم لنا تحفة سينمائية ملهمة، استطاع من خلالها أن يتجاوز كافة المعوقات في حياة الصبيّ، ويقفز به فوق أسوار، وحواجز الحياة الصعبة، ويصوّر لنا المشهد كما هو دون إضافات.

إذا نظرنا من حولنا، سواء في مجتمعاتنا المحلية، أو العربية الأوسع، سنجد حتماً الكثير من القضايا، التي تستحق أن نضيء عليها، ونحولها إلى أعمال سينمائية تفعل فعلها المجدي في النفوس، لتغير الكثير من المشاعر السلبية، وتحولها إلى وعي، وعزم وقوة تغيير حقيقي، يحمي الأجيال الجديدة من الاستسلام أمام أول عائق يعترض أحلامها.