لنبث في نفوس شبابنا الأمل من أجل مستقبل أفضل

الشيخة بدور بنت سلطان بن محمد القاسمي

  • السبت 06, يونيو 2015 08:58 م
كانت كلمة الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي رئيس هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) والمؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة "كلمات" للنشر، بعنوان " لنبث في نفوس شبابنا الأمل من أجل مستقبل أفضل " كلمة جامعة، في المنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذي عقد جلساته في البحر الميت بالأردن مؤخراً... فقد وصَّفت هذه الكلمة المشكلة وحددت خطوط التعامل معها، راسمة الطريق لكيفية تمكين الشباب في مجتمعاتهم، عبر منظومة مجتمعية متماسكة، يحكمها فعل المشاركة الشاملة، ويظللها الفهم الحقيقي لكيفية التعامل الموضوعي والمستقبلي معها. كلمة الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي التي نشرتها صحيفة "الخليج" الإماراتية، رسمت كل سيناريوهات قضية العصر التنموية في مجتمعاتنا.
خلال حضوري كرئيس مشارك في إدارة جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي عُقد مؤخراً في البحر الميت بالأردن، شاركت ضمن مجموعة من المتحدثين في جلسة نقاش حول "حتمية الشباب في العالم العربي". وكنت قد أجريت خلال استعداداتي لتلك الجلسة، وللمنتدى بشكل عام، بعض الأبحاث التي كشفت لي عن الكثير من الحقائق والإحصائيات التي ألهمتني في كثير من الأفكار التي طرحتها بالمنتدى.

اكتشفت وجود كم هائل من التقارير والإحصائيات التي تتناول حجم التحديات التي تواجه الشباب العربي من حيث البطالة، والفجوة في المهارات بين التعليم وسوق العمل، والآفاق المستقبلية الشاملة. وتبينت خلال أبحاثي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستعاني خلال العقد القادم من حاجة ملحة وحتمية لتوفير ما يتراوح بين 80 و100 مليون فرصة عمل، وأن الفجوة في المهارات بين التعليم وسوق العمل تستمر بالاتساع، فيما تعد نسبة مشاركة المرأة بالقوى العاملة في هذه المنطقة من أدنى النسب بالعالم، على الرغم من أن الإناث يشكلن أكثر من 50% من خريجي الجامعات.
لكنني بالمقابل وجدت أيضاً أن المشكلة تنطوي على جانب آخر أقل تخوفاً وتشاؤماً، حيث لمست شعوراً راسخاً بالأمل، والتزاماً، على المستويين الفردي والجماعي، بالسعي للتغلّب على التحديات التي نواجهها وتوفير فرص جديدة للشباب العربي.

تشير التقارير والإحصائيات الإقليمية والعالمية الأخيرة إلى أن الشباب العربي يتمتع اليوم بقدر كبير من الجرأة وروح المبادرة، ولذلك فمن الطبيعي أن تشهد المنطقة في الآونة الأخيرة هذه النقلة النوعية في تحول الشباب من مرحلة البحث عن عمل إلى مرحلة توفير فرص عمل. وليس علينا أن نبتعد كثيراً في البحث عن دليل على ذلك، ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، تمثل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي يتولى الشباب إدارة معظمها، نحو 94% من إجمالي الشركات المسجلة، كما تساهم بنسبة 60% من إجمالي الناتج المحلي. وهذا هو الحال في معظم الدول العربية الأخرى.

كذلك، تعمل الحكومات على مواكبة هذه التغيّرات، حيث شهدت المنطقة خلال السنوات العشر الماضية تقريباً تأسيس نحو 43 هيئة لاحتضان المشاريع المبتدئة والتكنولوجية مع البدء بتطبيق اللوائح المكملة لها بالتدريج، بالإضافة إلى نمو عدد الشركات الربحية التي تلتزم بمبدأ المسؤولية الاجتماعية وتساهم بتوفير فرص العمل في المجتمعات المحلية وخارجها. وقد أثنى تقرير صدر مؤخراً عن البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية على التقدم الذي تحققه المنطقة ووتيرة الإصلاحات التي تشهدها من أجل تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز قدرتها على توفير فرص العمل، وتحسين إمكانيات حصولها على التمويل. كما تلعب المرأة العربية دوراً مهماً في الحياة الاقتصادية بالمنطقة وذلك من خلال تأسيس أعمالها الخاصة وإدارتها، أو السعي لشغل مناصب قيادية في القطاعين الحكومي والخاص.

عندما نظرت إلى الصورة الكاملة بموضوعية، أيقنت أن ليس كل ما يتعلّق بوضع الشباب العرب ومستقبله محكوماً بالتشاؤم والإحباط، بل إن الأمر بمجمله مرتبط باختيارنا للنظر إلى نصف الكأس الممتلئ أو الفارغ. ونظرتنا هذه لا تأتي من منطلق السذاجة أو الرؤية العاطفية، بل هي استراتيجية واعية لتسليح أنفسنا بطاقة الأمل لتكريس النجاحات القديمة وجعلها أساساً ننطلق منه لتحقيق المزيد من الإنجازات والفرص.
 يعلمنا التاريخ أن الأمم العظيمة هي تلك التي تتسلّح بمزيج من الأمل والرؤى الواضحة والتصميم على العمل المتعاون من أجل التغلّب على التحديات الصعبة التي تواجهها. والعالم العربي ليس استثناءً. فالتعاون والعمل معاً عبر جميع طبقات مجتمعاتنا سيسهم في رفد هذا الزخم والنشاط بالطاقة اللازمة وتحفيز الابتكار والإبداع عند الشباب.
كل منا مسؤول عن مستقبل هذه المنطقة، إذ لا تستطيع الحكومات بمفردها توفير كل فرص العمل اللازمة لمواكبة النمو السكاني في المنطقة، وكذلك لا تستطيع الشركات لوحدها حل جميع القضايا الاجتماعية. أما الحل المثالي فيتمثل في توليفة مناسبة من التعاون بين الأسر، والمدارس، والحكومات، والشركات، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الإعلامية، وعلماء الدين، والشباب أنفسهم؛ إذ عليهم جميعاً أن يكونوا يداً واحدة، ويتخذوا اتجاهاً موحداً يسير بهم نحو الغاية المنشودة. 

لا بد لنا من التعاون وبذل الجهود المشتركة لتغيير العقلية وطريقة التفكير في مجتمعاتنا. فنحن عند منعطف حقيقي في تاريخنا يتطلب منا رؤى ووجهات نظر جديدة تمكننا من حل مشكلاتنا. ومن الواضح أن القرن الحادي والعشرين هو عصر روح المبادرة، حيث يتولى الشعب زمام المبادرة، ولا ينتظر الحكومات لتوفير فرص عمل. وقد أثبت هذا النهج فعاليته كاستراتيجية ناجحة لمحاربة البطالة وتشجيع الابتكار، لكن ازدهاره يتطلب ثقافة تدعم الجرأة على خوض المخاطر والمغامرات، وتتسامح مع الفشل، وتشجع التفكير الإبداعي، كما يتطلب أيضاً ثقافة تتيح للشباب فرصة للمشاركة في صنع القرار وتأخذ أصواتهم وآراءهم بعين الاعتبار.
إن تقدمنا مرهون بقدرتنا على تغيير طريقة تفكيرنا بما يتلاءم مع الحقائق الجديدة، وتغيير التعليم والسياسات بما يلبي طموحات الشباب العربي وتطلعاتهم. ومن الواضح أن الأمل ما هو إلا الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل. فالمسيرة ما زالت بحاجة إلى الكثير من العمل الجاد والدؤوب على صعيد الأسرة، والمدرسة، والحكومة، والقطاع الخاص.
لقد برهن الشباب العربي بحيويته وإبداعه على رغبته بالمساهمة في إيجاد الحلول للتحديات التي تواجهها المنطقة، ومن حقه علينا أن نبث فيه روح التفاؤل والإلهام، وأن نبذل كل ما في وسعنا لنوفر له السياق الاجتماعي الذي يساهم بتطوره وازدهاره.