نحو تطبيق قاعدة الاقتصاد الإسلامي في الاستهلاك

أ.د. حسن محمد الرفاعي

  • الخميس 30, أبريل 2020 12:05 م
  • نحو تطبيق قاعدة الاقتصاد الإسلامي في الاستهلاك
إن الله سبحانه وتعالى خلق لبني البشر موارد كثيرة لينتفعوا بها ، لكنه أراد لهم استهلاكها وفق قاعدة اقتصادية استهلاكية بينها بقوله سبحانه : وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا  [سورة الفرقان:الآية 67] .
وأرشد إليها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم بقوله : " مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ " رواه الترمذي، وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

مفهوم الاستهلاك من منظور الاقتصاد الإسلامي:
الاستهلاك هو مجموع ما ينفق من مال في شراء السلع والخدمات وفق أحكام الشرع ، أو هو : استعمال السلع والخدمات في إشباع الحاجات الإنسانية وفق ضوابط الشريعة الإسلامية.

ضوابط الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي:
توجد ضوابط عدة للاستهلاك في القطاع الشخصي والأسري ، وأهمها الآتي :

الضابط الأول: البدء بسدّ المستهلك لحاجات نفسه، ثم أسرته ثم أقربائه ثم فقراء مجتمعه، ويدلل على ذلك بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه ، قال: أمرَ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - بالصَّدَقَة، فقال رجل: يا رسولَ الله، عندي دينارٌ، قال: "تَصَدقْ به على نفسك" قال: عندي آخرُ، قال: "تَصَدَّقْ به على وَلَدِكَ " قال: عندي آخر، قال: " تَصَدَّق به على زوجتِك - أو زوجك -" قال: عندي آخرُ، قال: "تصدَّق به على خادِمِك"، قال: عندي آخرُ، قال: "أنتَ أبْصَرُ".رواه أبو داود ، وإسناده صحيح.

والمراد من الصدقة الواردة في الحديث كما ذكر العيني في شرح سنن أبي داود، النفقة ، أي النفقة في نطاق الاستهلاك "العيني ، شرح سنن أبي داود ، ج 6، ص 449 " .

الضابط الثاني: القيام بإشباع المستهلك لسلعه الضرورية (الطعام والشراب) ثم الحاجيّة "الساعة" ثم الكماليّة "التحف ولوحات الجدار".

الضابط الثالث: تحديد مستوى الاستهلاك والإنفاق بالقدرة المالية للشخص، قال تعالى:" لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ۖوَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [سورة الطلاق:الآية 7].

الضابط الرابع : منع استهلاك السلع المحرّمة قال تعالى : " وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ  [سورة الأعراف :الآية 157].

الضابط الخامس: اعتماد مبدأ التوسّط في الإنفاق أو الاستهلاك، لأن الاقتصاد الإسلامي يدعو إلى التوسط في الإنفاق، فينهى عن الإسراف والتبذير، والترف في طرف الزيادة على الإنفاق، كذلك ينهى عن البخل والشّحّ من طرف النقص في الإنفاق.


 

مراتب الاستهلاك

 

 

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ

 

 

وَلَمْ يَقْتُرُواْ

وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا

لَمْ يُسْرِفُواْ

النّقص في الإنفاق الاستهلاكي

(التقتير= التّفريط= التقصير)

الحدّ الأمثل في الاستهلاك

(التّوسّط في الإنفاق)

الزيادة في الإنفاق الاستهلاكي

(الإسراف =الإفراط = الزيادة)

حرام

مندوب

حرام

الشحّ(2)

البخل(1)

القَوام = الاقتصاد 

الإسراف(1)

التبذير(2)

التّرف (3)



1. ففي "نطاق الإفراط أو الزيادة في النفقة الاستهلاكية " توجد ثلاث مراتب ؛ وهي :
مرتبة الإسراف : والإسراف معناه تجاوز الحدِّ في النّفقة، وذُكر له حكمان: مكروه أو حرام .
مرتبة التبذير : والتبذير هو المبالغة في الإسراف، وحكمه : التحريم .
مرتبة التّرف : والتّرف أشدّ من التبذير أو هو المبالغة في التبذير ، لأنه يؤدي إلى بطر النعمة والتوسّع في الشهوات وملذات الدنيا، وحكمه : التحريم.
• وفي نطاق التفريط أو النقص في النفقة الاستهلاكية توجد مرتبتان من مراتب الاستهلاك وهما : مرتبة البخل، والبخل ضدّ الكرم ، وهو حرام، ومرتبة الشّحّ ، والشّحّ أشدّ من البخل ، وهو حرام .

وفي نطاق التّوسّط في النفقة الاستهلاكية توجد مرتبة واحدة، وهي مرتبة القَوام أو التوسّط في النّفقة، وهو مندوب، وهذا هو المطلوب في التعامل مع الموارد أو الخيرات التي سخّرها الله سبحانه وتعالى لنا.

أمّا عن معنى هذا المبدأ " التّوسّط أو الاقتصاد في النفقة "، فقد قال الإمام الطبري في معنى قوله تعالى " وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا "، ثمَّ اختلف أهل التأويل في النّفقة التي عناها الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع، وما الإسراف فيها والإقتار؟

فقال بعضهم،الإسراف ما كان من نفقةٍ في معصيةِ الله، وإن قَلَّت، قال: وإيَّاها عَنَى الله سبحانه وتعالى، وسمّاها إسرافاً، والإقتار: المنع من حقِّ الله تعالى.

وقال آخرون: السّرَفُ: المجاوزَة في النفقة الحدَّ،والإقتار : التقصير عن الذي لا بُدّ منه، والصّواب من القَوْلِ في ذلك، قولُ من قال: الإسراف في النَّفقة الذي عَنَاهُ اللهُ في هذا الموضع: ما جاوزَ الحَدَّ الذي أباحهُ الله سبحانه وتعالى لعبادِهِ إلى ما فوقه، والإقتار: ما قَصَّر عَمّا أمَرَ الله سبحانه وتعالى به، والقَوَامُ بين ذلك" "تفسير الطبري ، ج5 ، ص 484-485".

وأرى أن أختم هذا المقال بما يحصل للإنسان عند الأكل فوق الحاجة، أو الشِّبع بما ذكره السّرَخْسِيّ في مبسوطه في كتاب الكسب، إذ قال : ثم السّرف في الطعام أنواع، فمن ذلك الأكل فوق الشِّبَع لقوله - صلى الله عليه وسلم – " ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه ؛ فإن كان لا بد فثلث للطعام ، وثلث للشراب ، وثلث للنفس".

ولأنه إنما يأكل لمنفعة نفسه، ولا منفعة في الأكل فوق الشبع، بل فيه مضرة، فيكون ذلك بمنزلة إلقاء الطعام في مزبلة أو شر منها، ولأن ما يزيد على مقدار حاجته من الطعام فيه حق غيره ، فإنه يسد به جوعته إذا أوصله إليه بعوض أو بغير عوض، فهو في تناوله جان على حق غيره، وذلك حرام، ولأن الأكل فوق الشبع ربما يمرضه، فيكون ذلك كجراحته نفسه .