ترتيب حقوق الإنسان في القرآن الكريم على وصف الإنسانية

د. خليل رجب حمدان الكبيسي

  • الخميس 20, فبراير 2020 08:53 ص
  • ترتيب حقوق الإنسان في القرآن الكريم على وصف الإنسانية
فليست هذه الدعوة هي مجرد دعوة نظرية، لقد رتب القرآن الكريم حقوقاً وواجبات للإنسان بناء على وصف متساو في الناس جميعاً، هو وصف الإنسانية فيه، وشرع وسائل ضامنة لتحقيقها، وفي مقدمتها "حق الحياة وحق الحرية وحق المساواة وحق العدل وحق الكرامة" كما قال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) "الإسراء: 70"
ويقول الآلوسي في تفسيره "روح المعاني: 15/117 و118": "أي جعلناهم قاطبة برهم، وفاجرهم ذوي كرم، أي شرف ومحاسن جمة لا يحيط بها نطق الحصر"، وبهذه الآية استدل الإمام الشافعي على عدم نجاسة الآدمي بالموت.

فهذه الكرامة هي حصانة له، وصيانة لحقوقه التي تقتضيها الكرامة الإنسانية، وإذا ما عطلت لعارض فهي باقية على الأصل، ومن هنا يقول التفتازاني في "شرح التلويح على التوضيح: 2/162""إذا خلق الله تعالى الإنسان محل أمانته، أكرمه بالعقل والذمة، حتى صار أهلاً لوجوب الحقوق له وعليه، وثبتت له حقوق العصمة والحرية والمالكية.

كما إذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة تثبت لهم وعليهم حقوق المسلمين في الدنيا، وليس من حق أحد أن يمنع هذه الحقوق عن أحد، كما ليس من حق الإنسان نفسه أن يهدر هذه الحقوق باتجاه نفسه، كما يقول أبو زهرة "العلاقات الدولية في الإسلام: 29".

ولتقرير هذا جاء القرآن يخاطب الإنسانية بخطاب واحد، لا على أساس الألوان والأجناس والمواطن، ولكن على أساس طبيعي ومتساو فيهم، هو وصف الإنسانية، يهدف إلى بناء الوحدة الإنسانية التي جاءت أصول الإسلام ومقاصده الكلية متوافقة معها.

وذلك أن المقصد العام في الشريعة قد انصرف ابتداء إلى درء المضرات، وجلب المسرات الدنيوية والأخروية للناس جميعاً، وأن النظام المقاصدي ركب أصلاً من أجل تحصيل مقصد كلي يفتقر إليه الوجود البشري بفطرته، هو "مقصد الاستخلاف" "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" "البقرة: 30"، الذي تبنى عليه كل المقاصد الأخرى.

وتصدر عن منظومته في تحقيق المصالح العامة للبشرية، من عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار إصلاحها ودفع الإفساد عنها، واستنباط خيراتها، وتدبير منافعها للجميع "ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: علال الفاسي: 41-42" ، "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" "هود: 61".

كما أن الشريعة مبنية على قصد المحافظة على المراتب الثلاث من الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وأن النظر الشرعي فيها عام، "فإذا وجدنا أن الحفاظ على الدين أو النفس أو النسل أو المال أو العقل في الضروريات معتبر شرعاً، ووجدنا ذلك عند استقراء جزئيات الأدلة، حصل لنا القطع بحفظ ذلك، وأنه المعتبر حيثما وجدناه""الموافقات: الشاطبي: 4/191".

وأن حق الحياة مقرر على أساس وصف الإنسانية الشاملة أيضاً، فحياة الإنسان في الأرض قيمة عليا يجب المحافظة عليها في أصل التشريع، لأن الله خلق الخلق ليس عبثاً، ومنحهم حياة نفخ فيها من روحه، ورتب على رعاية حياة الفرد رعاية أصل الحياة، وتقرير حياة الجميع، وأن الاعتداء عليها اعتداء على أصل الحياة وقيمتها، وانتهاك لحقوق الجميع، كما قال سبحانه: "}أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا""المائدة: 32".

ذلك أنه يعدها لغايات ومهام جسيمة، يقول ابن عاشور في "مقاصد الشريعة الإسلامية: 101": "والناس من حيث المبدأ سواء في البشرية، وفي حقوق الحياة في هذا العالم بحسب الفطرة،... فلا جرم نشأ عن هذا الاستواء تساويهم في أصول التشريع، مثل حق الوجود المعبر عنه بحفظ النفس، وحفظ النسب، وحفظ المال المعبر عنه بحفظ المال، ومن أول ذلك حقوق القرار في الأرض التي اكتسبوها، وفي أسباب البقاء على حالة نافعة وهو المعبر عنه بحفظ العقل وحفظ العرض".

ولضمان تقرير الحقوق واثق القرآن الأمة على القيام بالعدل المطلق بين البشرية، الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنآن، ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى، فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" "المائدة: 8" فهو عدل منبثق من القيام لله والشعور برقابته.

ويقول ابن القيم في "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: 19": "إن الله أرسل رسله ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ما ظهرت أمارات العدل، أو أسفر وجهه بأي طريق كان، فثَمَّ وجه الله ودينه".