اللَّحن والألحان في تلاوة القرآن

د. أحمد عبدالكريم الكبيسي

  • الخميس 16, يناير 2020 08:33 ص
كلنا يعلم أنَّ القرآن الكريم كلام اللّه المُعجِز والمُنزَّل على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المنقول بالتَّواتر، حينئذٍ يحرمُ تعمُّد اللَّحن فيه مهما كان الأمر، سواء أغيَّرَ المعنى أم لم يُغيِّر؛ لأنَّ ألفاظه توقيفيَّة نُقلت إلينا بالتَّواتر، فلا يجوز تغيير لفظٍ منه بتغيير الإعراب، أو بتغيير حروفه بوضع حرفٍ مكان حرف آخر.
وتعمُّد اللّحن في قراءة القرآن عبث بكلام اللّه، واستهزاء بآياته، يقول جلَّ وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ "التوبة:65".

وأمَّا بالنِّسبة للألحان التي نعني بها اليوم "الأنغام" فقد ذهب جمهورُ الفقهاءِ "سوى الإمام أحمد بن حنبل" إلى جواز قراءة القرآن بالألحان ما لم تتغيَّر الكلمة عن وضعها، ولم يحصل باللّحن تطويل بحيث يصير الحرف حرفين، أو يصل به إلى ما لم يقله أحد من القرَّاء، وكان لمجرَّد تحسين الصَّوت، وتزيين القراءة، بل يُستحب ذلك.

وكره الإمام أحمد قراءة الألحان، فقال: إنه بدعة لا تُسْمَعُ، كلّ شيءٍ مُحدَث لا يُعجِبُني إلا أن يكون طبع الرّجل كأبي موسى _ الأشعري_ وقال جماعة: إن غيَّرت النّظم حَرُمَت في الأصح، وإلا فوجهان في الكراهة، والصَّحيح أنَّه لا يُكره إذا لم يُفرِّط في التمطيط والمد وإشباع الحركات.

وأمَّا القراءة بالألحان الموضوعة للأغاني، فإن أخرجت لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركاتٍ فيه أو إخراج حركاتٍ منه أو مد مقصور، أو قصر ممدودٍ، أو تمطيط يخفى به بعض اللّفظ ويلتبس المعنى فهذا محظور يُفسَّقُ به القارئ، ويأثم به المستمع، لأنَّه قد عدل به عن نهجه القويم إلى الاعوجاج واللّه جلَّ وعلا يقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾"الزمر:28"، وإن لم يُخرجه اللّحن عن صيغة لفظه وقراءته كان مُباحاً، لأنَّه قد زادَ بألحانه في تحسينه, وميل النَّفس إلى سماعهِ.

وأوضح هذا أكثر الإمام ابن القيِّم رحمه الله بقوله: " التطريب والتغنِّي على وجهين:

أحدهما: ما اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلُّفٍ ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خلي طبعه، واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن أعان طبيعتَه بفضلِ تزيين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري للنَّبي صلَّى اللَّه عليه وسلم  في الحديث الصحيح "لَو علمتُ أنّكَ تَسمَعُ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تحبِيرًا".

والحزين ومَن هاجه الطرب، والحبُ والشوق لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النَّفوسَ تقبلُه وتستحليه لموافقته الطبع، وعدم التكلُّف والتصنُّع فيه، فهو مطبوع لا متطبِّع، وكَلفٌ لا متكلَف فهذا هو الذي كان السَّلفُ يفعلونه ويستمعونه، وهو التغنِّي الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسَّامعُ، وعلى هذا الوجه تُحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.

أما الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السَّماحة به، بل لا يحصُل إلا بتكلُّف وتصنُّع وتمرُّن، كما يتعلم أصوات الغِناء بأنواع الألحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزانٍ مخترعة، لا تحصل إلا بالتعلُم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السَّلفُ، وعابوها، وذمّوها، ومنعوا القراءةَ بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنَّما تتناول هذا الوجه.

وبهذا التفصيل يزول الاشتباهُ، ويتبين الصَّوابُ من غيره، وكلُّ من له علم بأحوال السَّلف، يعلم قطعاً أنَّهم بُرآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة، التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنَّهم أتقى للّه من أن يقرؤوا بها، ويُسوِّغوها. ويُعلم قطعاً أنَّهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسِّنون أصواتَهم بالقرآن، ويقرؤونه بِشجىً تارة، وبِطَربِ تارة، وبِشوْق تارة، وهذا أمرٌ مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارعُ مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشدَ إليه وندبَ إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، فقال كما جاء في الصحيح « لَيْسَ مِنَّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقرآنِ ».

وفيه وجهان: أحدهما: أنَّه إخبار بالواقع الذي كُلُّنا نفعله.
والثاني: أنَّه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ".

وما قيل عن قوله صلى الله عيه وسلم  كما في الصَّحيح « زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْوَاتِكُم » هو مقلوب أي  زيِّنوا أصواتَكم بالقرآن، والمعنى أنه الهجوا بقراءته وتزيِّنوا به، ليس ذلك على تطريب القول والتحزين، كقوله « ليسَ مِنَّا مَن لم يتغَنَّ بِالقُرْآنِ »، أي يلهج بتلاوته كما يلهج سائر الناس بالغناء والطرب، هكذا قال الهروي والخطابي ومن تقدمهما.

وقال آخرون: لا حاجة إلى القلب، وإنَّما معناه الحث على الترتيل الذي أمر به في قوله جلَّ وعلا ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ﴾ "المزمل:4" فكأنَّ الزينة للمرتل لا للقرآن، كما يقال ويل للشعر من رواية السوء، فهو راجع إلى الراوي لا للشعر، فكأنه تنبيه للمقصر في الرواية على ما يعاب عليه من اللحن، والتصحيف وسوء الأداء، وحث لغيره على التوقي من ذلك، فكذلك قوله: « زَيِّنُوا القُرْآنَ » يدل على ما يزين به من الترتيل والتدبر ومراعاة الإعراب.

والصَّحيح أنَّ الزينة للصَّوت لا للقرآن، وممَّا يُؤيِّدُ هذا تأييدًا لا شُبهة فيه أنَّ الحديث على بابه وليس للقلب، كما أخرجه الدارمي(3544)، والحاكم(2125) من حديث البراء مرفوعاً بإسنادٍ صحيح « زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْواتِكُم فإنَّ الصَّوتَ الحَسَن يزيدُ القرآنَ حُسْنًا ».