"ولِــتُصنعَ على عيني"

د. سيكو توري

  • الثلاثاء 17, ديسمبر 2019 10:07 ص
  • "ولِــتُصنعَ على عيني"
وجود الإنسان على الكرة الأرضية يجعله مخلوقاً باحثاً عن النجاح، مظنة السعادة، ولا خيار آخر أمامه من بعد إلاّ السعي، والنجاح في تحقيق المطلوب وبلوغ الغاية، أو النجاة من الصعاب والمكروه.
ويخبرنا القرآن الكريم أن الإنسان كإنسان يصل إلى النجاح بأحد الأمرين:

1- النجاح السببي "السببية": فالحياة تسير وفق سنن وقوانين ثابتة، وضعها الله عز وجل، وتجري هذه السنن على المتدين وغير المتدين وعلى الصغير والكبير والذكر والأنثى، ومثاله: 1 + 1 = 2، ومن جدّ وجد، ومن زرع حصد، ومن اجتهد نجح، ومن تعلّم قيادة السيارة والطائرة وصل.

والنجاح السببي إذن هو كل ما حقّق للإنسان غايته بعد أن يتخذ الأسباب الكونية، التي جعلها الله وسيلة وسبيلاً إلى تحقيقها، وهذا النوع من النجاح غير خاضع لدينٍ ليتحقق، فيشترك في تحصيله المسلم وغير المسلم، وحضارات الدول تدخل هنا.

ومن هنا برعت الحضارة المعاصرة في العمارة والتقنية، بعد أن اتخذت أسبابها، وأغلب المواد التي تدرس في الجامعات علوم هندسة، وطب وصيدلة، وإدارة واقتصاد، وقانون ..إلخ تتعلق بالسعي نحو الوقوف على أسرار السنن الكونية، والاستفادة منها لتحقيق مسمى النجاح.

وبقي الإشارة إلى أن الإسلام يريد من المسلم السعي إلى هذا النوع من النجاح، وإرجاع تحقيقه إلى الله، وإضفاء عنصر العبادة عليه، فيشكر نعم الله ويحمده، لأنه هو من سخّر ما في السماوات، وما في الأرض للإنسان، وهو الذي زوّد الإنسان بالعقل، وجعله خليفته ليعمر الأرض وينجح، "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها".

فما كان الإنسان ليصل إلى هذا بدون نعمة الخلق والتسخير والخلافة، "الذي قدّر فهدى"، ومن الطغيان والجحود في الإسلام أن يقول الإنسان في مثل هذا النوع من النجاح "إنما أوتيته على علم عندي"، بل يقول: "الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" و"هذا من فضل ربي" و " رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".

2- النجاح الإلهي "القيومية": اتخاذ الإنسان السبب وسعيه هو معيار السنن الكونية لجلب النجاح السببي السالف ذكره. لكن النجاح السببي ليس السبيل الوحيد للنجاح وفق معطيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فهناك سنة الله وسنة كونية أخرى غير مرئية، وليست خاضعة للقانون الفيزيائي العقلي المشاهد، ويصل الإنسان إلى مثل هذا النوع من النجاح بعد اتخاذ سبب ديني، وليس شرطاً أن يكون سببا كونياً.

والنجاح الإلهي إذن هو: كل ما تحقّق للإنسان من هدف مرجوّ، أو الصون من سوء ومخاوف بحكم الرعاية الإلهية.

ويتحقق النجاح في هذا بأحد الأمرين:

أ‌-التدخل الإلهي المباشر والتصرف بعلمه: ومن هنا نجا الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في الغار "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" حين قال له الصديق لو نظر

أحدهم موضع قدمه لرآنا، فردّ بقوله: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، وهذا ما وعد الله به موسى وأخاه " قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (45) قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى".

ويحصل أيضاً لغير الأنبياء، كما في قصة موسى عليه السلام مع الرجل الذي اتبعه على أن يعلمه مما علّمه الله رشداً، حيث العناية الربانية حفظت سفينة المسكين دون جهد مباشر منه، وحفظت على الأبوين دينهما، وحفظت كنز الغلامين الصغيرين، وغير ذلك ممن صنعهم الله على عينه، وردّ كيد الكائدين ومكر الماكرين، فتربى موسى في قصر فرعون.

ب‌- هداية الله الإنسان إلى اتخاذ سببِ النجاحِ السببيّ وإيحاء طرق ذلك له: نجد مثل هذا في " فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ"، ولعل هذا ما حدث لمريم في " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا"، وليس نتيجة صلاة الاستخارة إلا هدايةً ربانية العبدَ لاختيار الأحسن في الدين والدنيا والحال والمآل.

ويعين على مثل هذا النوع من النجاح عموماً ما يأتي:

أ‌- عموم الدعاء: والدعاء مرتبط بقدرة الله وعظمته، وهو مخ العبادة، وإذا لم يكن له معنى، فلا معنى للعبادة، ومن هنا فمن دعا الله لا شك أنه ينجح ويفلح، فيقول سيد الخلق "لا يرد القدر أو البلاء إلا الدعاء" فالدعاء يرد مكر الماكرين، وكيد الكائدين ويبقى الدعاء يصارع القدر والبلاء إلى قيام الساعة.

ب‌- الأذكار عامة: في الصباح والمساء خاصة، من خير ما يتسلح المؤمن به للنجاح، بتدبر معنى انعكاس معاني "لا حول ولا قوة إلا بالله" و"حسبي الله" و"إنا لله وإنا إليه راجعون" و"أفوض أمري إلى الله" على حياة العبد، لذا يقول تعالى: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا" و"أليس الله بكاف عبده".

ج‌- الاستغفار وكثرة الصلاة على سيد الخلق: وهذا من خواص الدعاء والأذكار، فكما أن التجارة مجلبة للربح كسنة كونية، فإن هذه الأمور مجلبة للنجاح الإلهي وفق النصوص الواردة في ذلك.

د ‌- صلاة الاستخارة: وسرها أن الله هو العليم القدير، وهو خير من يختار للعبد ما فيه الخير، "قل أأنتم أعلم أم الله".

هـ ‌- الصلاح والتقوى: فمن كان صالحاً، لا جرم أن الله يجازيه بالحسنى، وقد حفظ الله كنز الغلام لصلاح أبيه، "وكان أبوهما صالحا"، " وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا"

و‌- الإحسان إلى الناس: فمن لم يسئ إلى الناس، بل عاملهم بكل خير وإحسان لا جرم أن الله هو الشكور، وهو الذي يجزي الجزاء الأوفى في الدنيا قبل الآخرة، "وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان" وهذا وعد إلهي "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه".

وإن خانك من تُعِين وتساعد وطعنك على ظهرك فلا ينبغي أن يردعنك ذلك عن صفتك الحسنة " وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "، وإن حاول تبرير خيانته بالدين أو المصلحة العامة.

و‌- الصدقة: تأمل معي "وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون" و"الصدقة تطفئ غضب الرب" " أنفق يا ابن آدم أنفق عليك" و "ما نقص مال من صدقة".

وغير ذلك من مثل صلة الرحم، والعدل الإلهي، والحكمة الإلهية، والعناية الربانية، فهو الحي القيوم، كل يوم هو في شأن.

أسأل الله أن ينفعنا وينفع بنا، وأن يكد لنا لا علينا، ويمكر لنا لا علينا، ويحفظنا وأن يرعانا ويصنعنا على عينه، وأن يطبق علينا "فإنك بأعيننا" "واصطنعتك لنفسي" "ولتصنع على عيني".