ظاهرة تلبس الجن بالإنسان في الفكر الإسلامي

د. سيكو توري

  • الإثنين 18, نوفمبر 2019 10:04 ص
  • ظاهرة تلبس الجن بالإنسان في الفكر الإسلامي
حقل العقيدة الإسلامية أو مسمى "أصول الدين" هو الجانب المعني لتزويد المسلم بما يجب الإيمان به وما لا ينبغي الإيمان به، وفق معطيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ولمسائل العقيدة الإسلامية جانبان: جانب قطعي، و آخر فكري،و المقال يناقش هذه المسائل بنوع من التفصيل.
الجانب القطعي: ويكمن في كل مسألة غيبية جاءتنا عن طريق النص الصحيح الصريح، فيجب الإيمان به والتسليم له. وهو الأصل في أصول الدين والعقيدة، ومثاله الإيمان بالرسل والجنة والنار إلخ، والقطعي هو الذي لا يحتمل إلا فهماً واحداً صريحاً واضحاً.

الجانب الفكري: ويكون في كل مسألة غيبية، أو غير غيبية برزت نتيجة فهم عالم من علماء المسلمين عبر التراث الإسلامي، أو نتيجة وضع اجتماعي أو عرف قائم. ويعرف بالفكر الإسلامي، لأنه تفكيرُ عالمٍ مسلم مجتهد مؤهل، وهو رأيه في فهم نص صحيح ليس صريحاً في دلالته، وهو ما يعرف بظني الدلالة في حقل أصول الفقه، الحقل المعني بوضع ضوابط فهم النص في الإسلام، مثل تعريف الإيمان وحقيقته، ومثل التفريق بين النبي والرسول، وهل خضر ولقمان وذو القرنين أنبياء أم لا؟

ومن أمثلة قطعيات العقيدة الإسلامية الإيمان بالملائكة، وهو ركن من أركان الإيمان. ويُتبع بعضُ كتبِ العقيدة الإسلامية عقب الحديث عن هذا الركن وتفاصيله الكلامَ عن الجن في الإسلام، وذلك لأنه يشترك مع الإيمان بالملائكة في جانب خفائهما عن أعين الناس، وفي جانب أن كلاهما من المخلوقات الموجودة في الكون "كونيات".

فكما أن الناس في الأصل لا يرون الملائكة رغم وجودها، فكذلك لا يرى الناس في الأصل الجان رغم وجوده، ويقول تعالى: " إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ"، ولذلك سمّيت جاناًلخفائها عن الناس. والإيمان بوجودهم كذلك قطعي من قطعيات الدين للنصوص الدالة على ذلك.

ومن مسائل الفكر الإسلامي المرتبطة بحقل العقيدة الإسلامية، أو أصول الدين مسألة هل الجن يتلبس الإنسان ويفقده وعيه ويتصرف فيه ويقوده كما يشاء ويكون الإنسان خاليا من الإرادة؟

قبل عرض الرأيين المعروفين في هذا، ننطلق من الآتي:

• مسألة التلبس بهذا المفهوم تختلف عن مسألة السحر والصرع، وإن نُسبت جميعاً إلى الشيطان أو الجان أو هاروت وماروت.
• المسألة غيبية عقائدية، فلا بد من دليل في القرآن الكريم أو السنة النبوية لتبني موقف ما.
• المسألة ظنية، بمعنى عدم وجود آية أو حديث مباشر وصريح، ينص على: "إنه يتلبس الجن بالإنس"، أو ينص على عدمه: "لا يتلبس الجن بالإنس"
• ومن هنا، أجاب العلماء على هذه المسألة وفق فهمهم للآيات والأحاديث ذات الصلة الواردة في الباب، لكن ليست صريحة، وإن رأى كل فريق أن موقفه وفهمه مصرح به في الأدلة التي رآها، ومن هنا نجد الرأيين الآتيين:

الرأي الأول: الإثبات: نعم، يمكن للجن أو الجان التلبس بالإنس، ومجمل الدليل هو وجود آيات وأحاديث صريحة في الباب، وتفصيل ذلك الآتي:

1- " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ" إذن يمكن للشيطان أن يتلبس بالإنسان.
2- " وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ".
3- " وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ".
4- وقريب من هذا، حديث "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا وإياك قال وإياي إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلا بخير".
5- " وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا". يفهم من استمتع بعضنا ببعض الدليل على التلبس.
6- حديث: "فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". دلالة على التلبس، وغير ذلك

الرأي الثاني: النفي: لا، لا يمكن للجن أو الجان التلبس بالإنس، ومجمل الدليل أن المسألة غيبية، ولا توجود آيات ولا أحاديث دالة على ذلك، فلا يجب على المسلم تصديق الشائعات، ولا الخرافات بدون دليل، وتفصيل ذلك الآتي:

1- نسف الأدلة التي فهم أصحاب القول الأول التلبس منها، لأن عمدة أصحاب القول الثاني عدم وجود دليل، والمسألة دين، فلا بدّ من الإذعان لأدلة أصحاب القول الأول، أو ردّ فهمهم لها،لذا أجابوا أدلة الفريق بالأول بما يأتي:

• "يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ" كيف فهمت من أن أكل الربا والتعامل معه سيطرة الجن على الإنس وتلبس به؟ دلالة الآية هي: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" و"يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ". و"مَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ". فلا علاقة بين الآية وبين التلبس.
• "أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ". هل الآية بيان أن الشيطان تلبّس بنبي من أنبياء الله المعصوم؟  أم هو أدب الخطاب بنسبة الشر إلى الشيطان والخير إلى الله، بدليل قول النبي نفسه في آية أخرى: "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ".
• " نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ"، يقول الإمام الطبري: "نجعل له شيطاناً يغويه فهو له قرين" وفرق بين الصحبة وبين التلبس، ثم أن الآية في الكافر وليس المؤمن " وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ".
• وحديث"ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا وإياك قال وإياي إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلا بخير"، فهل الحديث يدل على أن كل إنسان متلبس حتى النبي عليه السلام، أم يدل على وسوسة الجن للإنسان؟، فكما أن هناك رقيب عتيد من الملائكة وحفظة بدون تلبس، فكذا القرين يوسوس بلا تلبس.
• "رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا"، أيستمتع الإنس بالتلبس؟ يقول الإمام الطبري: " فأما استمتاع الإنس بالجن كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول"أعوذ بكبير هذا الوادي" ، فذلك استمتاعهم، وأما استمتاع الجن بالإنس، فإنه كان، فيما ذكر، ما ينال الجنَّ من الإنس من تعظيمهم إيّاهم في استعاذتهم بهم، فيقولون"قد سدنا الجِنّ والحِنّ -الإنس".
• وأما حديث: "فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" فإنه في الوسوسة وسوء الظن وفق سياق الحديث، وذلك لما رأى عدد من الصحابة الرسول مع زوجه صفية، وليس في التلبس.
2- ومن أدلة الذين نفوا أن عموم وظيفة الشيطان كما ورد في صريح آيات القرآن الكريم، تكمن في الوسوسة والتزين والإغواء، أو الإغراء، ومن آيات ذلك:
• "الذي يوسوس في صدور الناس"
• " قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لازَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الارْضِ وَلاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ"
• " {فَبِعِزَّتِكَ لاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}".
فوظيفة الشيطان تكمن في التزيين العقلي لا في العمل الذي قد يأخذ طابع التلبس، وهو ما سيقرّ به يوم القيامة، "إنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ".
3- نفي الله أي سلطة للشيطان على الإنسان غير الوسوسة، فلا سبيل له للسيطرة القهرية أو القسرية على الإنسان " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ"، فكيده ضعيف: "إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً" لأنه لا يتجاوز الدعوة إلى الشر وتزيينه، ولا مجال آخر له على الإنسان.

قد يقال الآن، ماذا عن بعض القصص والحكايات التي نسمعها أو الظواهر التي نراها من قوة خارقة لإنسان ما، أو حديثه بلغة غير لغته، أو فراره من قراءة الراقي وليس أي قارئ؟

هذه ظاهرة تحتاج دراسة وتفسيراً، ولا تتخذ دليلاً، لأنها هي المدلول فلا يمكن أن تكون دالاً. إذ لا يمكن أن يكون الدال دالاً ومدلولاً في الوقت نفسه، لا بدّ أن يكون الدليل أمراً خارجياً، عما يراد التدليل عليه،ثم هل نترك النصوص الواضحات، ونعمل بظاهرة لم يهتد الإنسان إلى تفسيرها.

أخيراً، هل من الإنصاف والتسامح، أن نقول سواء ترجح عندك الرأي الأول أو الثاني، بأنه من قطعيات الدين أن الدعاء سلاح المؤمن، وأذكار الصباح والمساء الثابتة خير ما يحمي الإنسان ويحفظ به نفسه، ليس من الجن فحسب، بل من شر كل دابة الله آخذ بنواصيها، ومن شر الإنس، ومن شر ما نعلم، وما لا نعلم ومن شر كل ما في الأرض، ومافي السماء ومن شر كل ما خلق الله، ومن شر هوانا وأنفسنا.