القدوة الحسنة وأثرها في البناء القيمي للمجتمع

د. قذافي الغنانيم

  • الخميس 03, أكتوبر 2019 08:29 ص
  • القدوة الحسنة وأثرها في البناء القيمي للمجتمع
إن القدوة الحسنة من أكثر الأساليب التربوية تأثيراً في سلوك الأفراد على مختلف مستوياتهم المعرفية والتعليمية، إيجاباً وسلباً، إذ جهة التأثير للتصرفات الصادرة عن أيّ شخص تقع موقعها في نفوس الكل مقصودة كانت، أم لا.
ومن هذا المنطق، نرى أن المحاكاة للغير تحدث أثراً في سلوك الأفراد، على الصورة التي تصدر عن فاعلها سواء أكانت حسنة، أم سيئة، وهذا مما يوجب التنبيه على رعايتها في كلّ ما يصدر عن المكلفين، واعتبارها ركيزة من ركائز التوجيه، والتأسيس في البناء القيمي بالمجتمع في كافة مناحي الحياة.

إذ من المعلوم بداهة، أن البناء التربوي والاجتماعي في أيّ مجتمع، يحتاج إلى منظومة قيمية راسخة، تنطلق من مفاهيم كبرى ذات فاعلية في صنع السلوك السويّ، والنهج القويم في التصرف من أجل تحقيق التوازن بين الأقوال والأفعال، التي تصدر عن المكلفين للوقوف على التربية الإيجابية للسلوكيات الحسنة عند الأفراد ، التي تؤتي ثمارها بالخيرية عليهم وعلى غيرهم، كل هذا يسهم في بناء اجتماعي قوي، قوّامه الأمن، وجوهره المسؤولية، ومداه الاستقرار والثبات.

ومطلب تحصيل هذه الفوائد الفريدة، ما أقرّه ديننا الحنيف من مبادئ ثابتة كالتكافل والمحبة، والصدق والوفاء، والإخلاص والعطاء، والتسامح وحب الخير، وغيرها من القيم المثلى، التي تنهض في بناء شخصية المسلم المتكاملة، حيث يتربي الفرد على ما نشأ عليه من القيم المثلى.

وتأسيساً على ذلك، فإن القدوة الحسنة، استمدت وجودها بين الأنماط التربوية المطلوبة، بتحصيلها قولاً وفعلاً من الجميع دون استثناء، من مشروعية هذه المبادئ، وما استندت إليه من أدلة شرعية، دلّت على طلبها وتحصيلها من الجميع، وامتثالاً للدلالات التربوية الثابتة في قوله تعالى:" لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً" [الأحزاب:21]، وقوله تعالى:" وإنك لعلى خلق عظيم"[القلم:4].

ومن سنن الرسول قوله صلى الله عليه وسلم:" من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً"[رواه مسلم].

ومما يُساق في هذا المضمار قول عتبة بن أبي سفيان في وصيته لعبد الصّمد مؤدّب ولده:" ليكن أوّل ما تبدأ به من إصلاحك بَنّي إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت"، وقول سَلْم بن قتيبة:" لم يضيّع امرؤ صوابَ القول حتى يضيّع صواب العمل".

وهذا مما يؤكد المسؤولية المجتمعية في رعاية هذا المبدأ، وتأكيده في كافة المؤسسات على مختلف مجالاتها واختصاصاتها الوظيفية، والاعتناء به في نقل القيم والمعارف، وإكسابها للغير بالصورة المثلى التي تعبر عن أصالة مجتمعنا.