الصوم... المعنى والدلالة

د. قذافي الغنانيم

  • الخميس 09, مايو 2019 11:01 ص
  • الصوم... المعنى والدلالة
إن الحدّ الذي يقف عليه العلماء في تحديد معنى الصيام، لا يخرج في مضمونه عن ماهية الإمساك في وقت مخصوص على وجه مخصوص، وهو بهذا المعنى يفيد في أطره الشرعية الامتناع عن المباحات على وجه الخصوص من أجل نيل رضا الله –عز وجل- امتثالاً لقوله تعال:" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون"[البقرة:183]
وهو بهذا النطاق الاصطلاحي الخاص، يكون أثره قاصراً على المكلف نفسه من ابتغاء الأجر، والثواب من الله عز وجل.

بيد أن هذا المعنى من الصوم مقصود شرعيّ في التكليف أصالة، لأنه مقصد تعبديّ محض من هذه الجهة، ومسلك روحاني يحتاج إليه في تهذيب النفس وضبطها، وتعميق صلة العبد بربه، وتحصيل جوامع العبادة، التي أرادها الله –عز وجل- للعباد، يقول تعالى:" وإن تصوموا خير لّكم، إن كنتم تعلمون"[البقرة:184].

وكذا ما روي عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال:" الصيام جنّة وحصن حصين من النار"، وقوله النبي – صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل –رضي الله عنه-:" ألا أدلّك على أبواب الخير" قلت: بلى يا رسول الله: قال : الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا :" تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم " حتى بلغ يعلمون".

وغير ذلك من النصوص التي تبين مبلغ هذا المقصد من العبادة، وطلبها على وجه الخصوص تحصيلاً لفضائلها، وشمائلها من كافة أبوابها، التي وردت بها نصوص شرعية تؤكدها معنى ومقصداً.

وبقدر ما ينظر إلى مفهومه بهذا المعنى الخاص من قبل المكلف، إلا أنّه ينظر إليه من جهة الدلالة نظرة أكثر شمولية، وهو ما يمكن تصويره من جانبين:

الأول: إن طلب الامتناع عن المباحات يقتض بالضرورة إلى انقياد النفس طواعية إلى الامتناع عن المحرمات الذي يحقق التوازن في تصرفات المكلفين، والتزام النهج القويم في الأقوال والأفعال، الصادرة عن المكلفين في كافة مجالات الحياة، وفي هذا تحصيل لكافة جوامع الخير، التي أرادها الله –عز وجل - لعباده في الدنيا والآخرة.

الثاني: إن الدلالة التي تقابل الامتناع في هذه العبادة الأداء وطلب البذل، وهي الدلالة الإيجابية، التي تتضمن للعبادة، وهو ما يغفل ذكره في تحديد مصطلح الصوم، إذ به يتكامل حدّه معنى ودلالة.
ومدرك الامتناع الذي قامت عليه هذه العبادة، ودلّت عليه النصوص من قوله صلى الله عليه وسلم:" من فطّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً"، وقوله صلى الله عليه وسلم:" من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".

يعلم الناظر مدى الحث على الأمرين من جهة المقابلة والطلب، فكان طلب الامتناع، وطلب الأداء على حد سواء في ذات العبادة، وهو من أسرار هذه العبادة، وحكمها الشرعية، مما يدلّ على علوّ شأنها، وعظيم قدرها، وعموم فائدتها للمكلف والمجتمع معاً، ومما جعل الله –عز وجل أن يختص بأجرها، فقد روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" قال ربنا عز وجل –الصيام جنة يستجنّ بها العبد من النار، وهو لي وأنا أجزي به".

وهذه الدلالة ذات أثر متعدٍ في تحقيق المقاصد الشرعية التي أرادها الله –عز وجل –، سواء الأسرة، أو الأقارب، أو الجيران، أو الفقراء والمسكين من أفراد المجتمع، من بر وصلة وصفح وعفو، وهو ما يحقق معاني التسامح من هذه القيم في أبعد مدى خلال هذا الشهر في أسمى صوره، وأبهى معانيه، وترجمة المعنى الحقيقي للصوم، وتحصيل مقصده الشرعي العام في كافة أبواب الخير.

ومقتضى هذه الدلالات، أن يحرص المسلم على تحصيلها في هذا الشهر سواء في صيامه، أو قيامه، أو قراءة القرآن، أو صلة أرحامه وجيرانه، وإطعام الفقراء والمساكين، والصفح عن الآخرين، وإصلاح أحواله كلّها.

وما بين المعنى والدلالة، أقرّ الشارع الحكيم حظ المكلف من الأجر، والمغفرة من أداء هذه العبادة- كما ثبت ذلك في النصوص السابقة- من برٍ وصفح وبذل تحقق بها معاني التسامح ، وجسور التواصل، وإغناء أصحاب الحاجة، في شهر التسامح والمحبة.