الإحسان بين رسم التكوين ونطاق التطبيق

د. قذافي الغنانيم

  • الخميس 11, أبريل 2019 10:21 ص
  • الإحسان بين رسم التكوين ونطاق التطبيق
للإحسان مفهوم عام ذو دلالة شمولية، تتمثل في عبادة الإنسان لربه كأنه يراه، كما ثبت ذلك بالحديث الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين سأل جبريل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الإحسان، فأجاب بقوله:" أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وهذا من أعلى المراتب المطلوبة للإحسان، وأعظمها منزلة عند الله عز وجل، إذ به يتحقق الإخلاص في كلّ ما يصدر عن المكلف من عبادة، وعمل، وسلوك.

وينبثق عن المعنى الشمولي، المعنى الخاص للإحسان، الذي تتجسد دلالته في تقديم النفع بكافة أبواب الخير اتجاه الآخرين، بما تحيا به النفوس، وتستقيم أحوالها، وتستقر مطمئنة في مجتمعها دون خشية من الفاقة، أو الحاجة.

ودلالة هذه المعاني سواء كانت عامة، أم خاصة، أن الإحسان صفة حقيقية للمؤمن الملتزم بأحكامه الشرعية، على مختلف درجات طلبها من الشارع الحكيم، وقيمة أصيلة في ديننا الحنيف، في بناء علاقة الإنسان مع ربه عز وجل، ونفسه، وغيره، ومنهجاً راسخاً في التكوين الأخلاقي والسلوكي للمكلفين.

وهذا المبدأ الأصيل، وجد مشروعيته في الكثير من النصوص الشرعية للقرآن الكريم، والسنة النبوية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ما ورد في قوله تعالى:" إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر، والبغي يعظكم لعلّكم تذكّرون"[النحل:90]، وقوله تعالى:" وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل، لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى، واليتامى والمساكين، وقولوا للناس حسناً، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم تولّيتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون"[البقرة:83].

وكذلك قوله تعالى:" واتبع فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين"[القصص:77]، وقوله تعالى:" إن رحمت الله قريب من المحسنين"[الأعراف:56].

وأما من السنة النبوية، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء"، وما روي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:" كيف لي أن أعلم إذا أحسنت، وإذا أسأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سمعت جيرانك يقولون: أن قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت؛ فقد أسأت".

فقد بينت هذه النصوص وغيرها، التكوين الشرعي لمبدأ الإحسان من الناحية العقائدية، والأخلاقية، والنفسية، والسلوكية وفق منظومة القيم والمبادئ الإسلامية المنشودة من المكلفين امتثالاً وتطبيقاً.

وفي ذلك إشارة واضحة إلى أنه مقصد شرعي مطلوب تحقيقه في بناء الشخصية المؤمنة بناءً ايجابياً، تتفاعل مع نفسها وغيرها، بما يُفيد الكلّ من ثمراته بغية الوصول إلى مجتمع، تترسخ فيه القيم الايجابية من البذل والعطاء، حتى يتحصل من خلاله التكوين الكليّ في كافة مناحي الحياة له ضمن مبادئ الإسلام وقيمه السمحة.

وهذا أمر مطلوب تحصيله نصّاً ودلالة، كما دلّت عليه النصوص الشرعية التي رسّمت أسسه وقواعده من ضمن القيم الإنسانية العظيمة.

وما يتحقق ذلك إلا بالإخلاص لله عز وجل في العمل ابتداءً، وتعزيز قيم المحبة، والتسامح بين أفراد المجتمع، وتحمل المسؤولية الأخلاقية، والاجتماعية، والاقتصادية اتجاه الآخرين بحسب قدرة كلّ مكلف في الأداء والامتثال، سواء أكان التزاماً تعبدياً، أم سلوكياً، أم بدنياً، أو مالياً، وهي جوامع مشتركة تتطلبها فضائل الإحسان من أفراد المجتمع قولاً وعملاً.

وأما نطاقه، فليس محصوراً في باب دون باب، لأن أبوابه عمّت كلّ شيء، بدلالة ما أوردنا على مشروعيته من نصوص شرعية، تبين أنه قد يكون في الأخلاق، والعبادات، والمعاملات، وكافة شؤون الحياة، وعليه، فالمكلف عليه مراعاة ذلك في أخلاقه، وعبادته، وعلمه، وعلاقته بالوالدين، والزوجة والأبناء، والجيران، والخدم، وصلته بالأقارب، والفقراء، والمساكين والأيتام، إلى أن يصل الأمر به إلى ما قرره الإسلام من مراعاته في الإحسان إلى الحيوان.

وبما أن مجالات الإحسان لا تحصى في ديننا الحنيف، فإننا نورد بعض النماذج التي تدلّ على عمق المبدأ في التشريع الإسلامي الخالد، على سبيل المثال لا الحصر مدعماً بالدليل والبرهان، ومنها:

أولاً: الإحسان في القول، مصداقاً لقوله تعالى:" وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن"[الإسراء:53].

ثانياً: الإحسان في الجدل، مصداقاً لقوله تعالى:" وجادلهم بالتي هي أحسن"[النحل:125].

ثالثاً: الإحسان إلى الجار، امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره".

وفي ختام هذا المقال لا بدّ من ذكر جملة من فوائد جامعة في الإحسان، وهي:

الأولى: إن منافع الإحسان في جميع صوره يعود بالنفع والخير على صاحبه، مصداقاً لقوله تعالى:" إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها"[الإسراء:7]، وقوله تعالى:" إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون"[النحل:128].

الثانية: إن الجزاء من جنس العمل، مصداقاً لقوله تعالى:" إن رحمت الله قريب من المحسنين"[الأعراف:56].

الثالثة: إن الإحسان قيمة إنسانية مطلوبة اتجاه المسلم، وغير المسلم، امتثالاً لقوله النبي صلى الله عليه وسلم:" أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة".