ثقافة التعايش في الخطاب القرآني..."مصطلحات مرادفة للتسامح"

د. سيكو توري

  • الخميس 21, مارس 2019 08:48 ص
  • ثقافة التعايش في الخطاب القرآني..."مصطلحات مرادفة للتسامح"
إن ظهور المصطلحات وتطورها في الصناعة، والفن وفي الحقل العلمي يفرضه الواقع والتطور، والظروف المحيطة بالناس وبالباحثين، إذ يأتي جوابا على إشكالية العلمية استدعت ميلاد المصطلح.
وهذا ما تشير إليه القاعدة المشهورة "لا مشاحّة في الاصطلاح" وإن اتفقت المصطلحات وتساوت في المعنى والفحوى والمضمون، وذلك في حالات الترادف.

وتاريخ الفكر الإسلامي مليء بهذا الواقع العلمي، إذ مصطلح العقيدة أو التوحيد أو علوم الحديث، والفقه وأصوله وغيرها، ظهرت باعتبارات مختلفة، رغم قِدم المضمون العلمي لهذه المصطلحات، ولعل المعتبر هنا، هو عامل اللغة، لا عامل وجود نص في المصطلح، وعليه فلا يقبل مصطلح، أو يرفض لوجوده في القرآن أو السنة، بل ينظر إلى المضمون.

ما قيل أعلاه يصح على مصطلح التسامح نوعاً ما، إذ لا وجود قط لمفردة التسامح وجذورها في القرآن الكريم، وفق اطلاع الباحث، فعدم وجود مصطلح التسامح لا يعني رفض الإسلام لفكرة التسامح، وذلك أن القرآن عبر عن التسامح بجملة مصطلحات، من ذلك ما يأتي:

1 - العدل: " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ" الآية نزلت في رد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة غير المسلم يومئذٍ، وأن الأمانة يجب أن ترد إلى أهلها وإن لم يكونوا مسلمين، وأنه يجب العدل مع الناس جميعا مسلمهم وغير المسلم منهم.

وهذه الآية صريحة في الباب: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"، لا يمنعنكم الاختلاف مع قوم من العدل، ولا يمنعن بغض الذين كفروا لكم من أن لا تعدلوا معهم.

2 - البر والقسط: البر كما يقول صاحب المفردات هو التوسّع في الإحسان والعدل والصدق وفعل الخير، والقسط هو الإنصاف والنصيب بالعدل، والفرق بين المصطلح الأول "العدل" وهذا المصطلح "البر والقسط" أن الأول واجب، وهو حق، والثاني إحسان وتكرم وتفضل وخلق، "وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" رغم حملِ الذين لم يؤمنوا من أهل مكة الشنآنَ لكم في صدر الإسلام، وهو البغض، والمقصود به هنا الصدّ عن المسجد الحرام عاملوهم ليس بمجرد العدل بل الإحسان والتجاوز.

لكن لا تعاون في ترك مسائل العقيدة، ولا في حال شنّوا حرباً عليكم، بل في المعاملات وفي حال لم يحاربوكم ولم يخرجوكم من دياركم، وهذه مؤكدة في "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ".

أجدني مضطراً لسرد كلام شيخ المفسرين وأول من فسرّ القرآن بالأثر كاملا؛ الإمام الطبري إذ قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله: "الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ".

وهكذا جمع كل من كان ذلك صفته، فلم يخصصْ به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، وبرّ غير المسلم قريباً كان أو لا، غير محرّم ولا منهيّ عنه"، وأزيد بأن النسخ في إنشاء الأوامر، والنواهي لا في الأخبار.

3- العفو: وهو إسقاط الحق، والتجاوز عن المسيء، يقول تعالى: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" ويقول "إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا"، والعفو هو تنازل صاحب الحق عن حقه، وعدم الاقتصاص، "وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"، وهذا إحسان وتسامح: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ".

وهذه أخلاق قرآنية عامة، لا تخصيص فيها بمسلم أو غيره، ذكر أو أنثى، وهذا جزء من التسامح وليس كل التسامح، إذ التسامح لا يكون في التجاوز عن المسيء فحسب، بل بمعاملته بخلاف خُلقه فتحسن إليه، وتبرّه وتقسط إليه، كما سيأتي في الصفح، وكما مرّ في البر والقسط.

4 - الصفح: "الصفح ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو ولذلك قال: " فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره"، ونزلت هذه قبل مشروعية رد العدوان بالعدوان، فأتى الله بأمره لــمّـــا شرّع ردَّ الطغيان، لكن يبقى الصفح خلقاً كريماً لمن لم يعدي.

والصفح أبلغ من العفو، إذ قد يعفو الإنسان، ولا يصفح، قال: "فاصفح عنهم وقل سلام"، "فاصفح الصفح الجميل"، فالصفح خلق وإحسان، وليس مجرد إسقاط الحق فذاك العفو بل حسن المعاملة بعد العفو، لذا سمّى الله فاعلَه بالمحسن "وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، أو ليس ذلك تسامحاً، ولا يستطيع فعله كل قلب، ولا كل إنسان.

5 - الإجارة والأمن: " وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ" وهذه الآية متوافقة مع آية: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ"؛ فكل من عاهد وصالح المسلمين ولم يعتدِ يُعامل بالبر والقسط، ويُستأمن، والعكس صحيح.

وهذه الآية أصل في الباب، ووردت في التوبة عقب الآية التي تأمر برد العدوان، مما يعني أن الآية السابقة لا تعمّم على كل مخالف، وأنها غير قادرة على نسخ ما نزل بعدها.

6 - السلام: ومن مفردات التسامح في الخطاب القرآني السلم، وهو الأمن وراحة البال، وعدم العدوان على من كفّ يده عن المسلمين، " فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً".

والسلم مطلب إسلامي أصيل ومقصد من مقاصده " وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ"، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً" اسم الديانة مشتق منه، فالإسلام من السلم، والجنة سلم، والأصل في التعامل السلام.

7 - الحلم: يقول الراغب في تعريفه أن الحلم ضبط النفس والبعد عن هيجان الغضب، وقد وصف الله به نبيه إبراهيم حيث قال الله تعالى: "إن إبراهيم لحليم أواه منيب" وفي طول باله مع قومه، الذي كان وحيداً بينهم من حيث العقيدة، ورغم ذلك اتسم بالحكمة، والتسامح وحسن الخلق في التعامل، وقد وصف الله به ابن إبراهيم في قوله تعالى: "فبشرناه بغلام حليم". إذ ضبط النفس يزكي الإنسان ويساعد على تكوين خلق التسامح مع غيره.

8 - الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال، واللين: كل هذه من متطلبات الدعوة لدى التعامل مع الآخر، وقوام هذه المصطلحات التسامح، كما أنها بلا شك مصطلحات تثمر في التسامح وتعبر عنه، " ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".

واللين ضد الخشونة ويستعمل ذلك في الأجسام، ثم يستعار للخلق وغيره من المعاني، فيقال فلان لين، وفلان خشن، يقول تعالى: "اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى".

وبعد، فإن مردّ ثقافة التسامح في الخطاب القرآني راجع إلى الأخلاق في الإسلام، والخلق هو الذوق الرفيع الجميل، وهو الإحسان والتفضل، وهو إتقان التعامل مع الناس مع اختلاف شخصياتهم وجنسياتهم وأديانهم ومستوياتهم.

وهو كذلك حفظ الحقوق، وأداء الواجبات، ووضع كل شيء في نصابه "وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ".

ولا يعني التسامح الانحلال، أو النفاق أو الخروج عن الجادة، ولا ترك الدين، بل الاعتزاز في التمسك بالدين، واختيار الدين عن علم وبينة وقناعة، وبذل هذا الحق الشخصي لكل إنسان، ليختار هو أيضاً دينه، وحسابهم على الله.